(أبو الصحف) فارس الوطنية والاستقلال

السبت، 06 أبريل 2013 10:40 صباحاً

هناك قصص عديدة يجب أن تُروى في ملحمة استقلال السودان، منها قصة أحمد يوسف هاشم (أبو الصحف). حيث لعب الصحافيون الوطنيون دورهم الطليعي في استقلال السودان وتحريره من الهيمنة... عرفات محمد عبد الله... عبد الحليم محمد... محمد أحمد محجوب... أحمد خير... خضر حمد... أحمد يوسف هاشم... إسماعيل العتباني... حسن نجيلة... وغيرهم من الأحرار.
أحد أولئك الأفذاذ الذين لم تُلقَ عليهم إضاءات كافية تليق بعطائهم الوطني، كان الأستاذ أحمد يوسف هاشم (أبو الصحف) 1903 ــ 1957م.
بشهادة معاصريه يعتبر أبو الصحف أحمد يوسف هاشم مؤسس الصحافة السودانية الحديثة.
كانت بداياته في معهد أم درمان العلمي. وبدأ العمل في صحيفة (النيل) وهي أول صحيفة سودانية يومية. وقد أُنشِئت عام 1935م.
أصبح أحمد يوسف هاشم رئيس تحرير (النيل) عام 1936م.
وكانت افتتاحيته دائماً ما تُعبِّر عن الآمال الوطنية، مما جعل المخابرات البريطانية تضيق به وتستهدفه.
بعد رحيل الرائد الثقافي الوطني عرفات محمد عبد الله، أصبح أحمد يوسف هاشم رئيس تحرير مجلة (الفجر). وكانت (الفجر) لسان الطبقة الحديثة وصوت محاربة الطائفية. وعُرِف أحمد يوسف هاشم بأنه أحد الثائرين ضد الإدارة البريطانية. وفي عام 1944م أسَّس أحمد يوسف هاشم صحيفة (السودان الجديد) اليومية. واتسمت (السودان الجديد) بالرّصانة وعدم الإثارة. وشارك في تحريرها محمد أحمد محجوب (رئيس الوزراء) وعبد الحليم محمد (الدكتور ــ عضو مجلس السيادة). كما انضمَّ إلى (السودان الجديد) لاحقاً عبد الله رجب رئيس تحرير صحيفة (الصراحة)، الذي كتب مذكراته فيما بعد تحت عنوان (مذكرات أغبش).
وسارت صحيفة (السودان الجديد) على طريق الاستقلال، حيث هاجم أحمد يوسف هاشم الجمعية التشريعية والتنظيمات الدستورية التي أنشأتها الإدارة البريطانية. ودافع عن حرية الرأي والتعبير ضد سياسة السِّير (جيمس روبرتسون) السكرتير الإداري (وزير الداخلية في الحُكم البريطاني في السودان).
وتميَّزت كتابات أحمد يوسف هاشم بالجرأة والصراحة. وأتاحت صحيفته (السودان الجديد) صفحة أسبوعية للمرأة، كانت تحرِّرها الصحافية الراحلة ثريا أمبابي، ثم أعقبتها الصحافية فاطمة سعد الدين.
واتصف أحمد يوسف هاشم بعقل متحرّر وقلم محترم مهاب وأخبار موثوقة واتزان في تقويم الأخبار: أُطلِق عليه (أبو الصحف) لأنه أول صحافي بمفرده يصدر صحيفة يومية.
وكانت صحيفته (السودان الجديد) هي أول صحيفة سودانية مستقلَّة، حيث صدرت عام 1944م. وجاءت بعدها (الرأي العام) عام 1945م. أما الصحف الأخرى فقد كانت حزبية أو مؤيدة للأحزاب.
(السودان الجديد) أول صحيفة سودانية مستقلة. وصدرت عام 1944م. وصمتت إلى الأبد عام 1970م.
مثلما سجن الرئيس جعفر نميري الزعيم إسماعيل الأزهري حتى الموت في مستشفى الخرطوم، مثلما اعتقل النميري مؤسس مؤتمر الخريجين والقائد الوطني الكبير أحمد خير، كذلك قام الرئيس نميري في حقبته الشيوعية بمصادرة الصحف الوطنية المستقلة. فكان قراره الذي أعدّه الحزب الشيوعي بإغلاق ومصادرة صحيفة (السودان الجديد)، وهو ما لم تتجرأ عليه الإدارة البريطانية. وتوقفت (السودان الجديد) عن الصدور وأصبحت مطبعتها وأملاكها ممتلكات حكومية. وإلى جانب صحيفة (السودان الجديد) شمل قرار الرئيس نميري مصادرة صحيفة (الرأي العام).
هكذا كانت نهاية صحيفة (السودان الجديد) على يد الحزب الشيوعي وحليفه الرئيس جعفر نميري. هكذا كانت نهاية أول صحيفة سودانية مستقلة. وهكذا كانت نهاية (السودان الجديد) عام 1970م، بعد (26) عاماً من بداية صدورها. وعلى حين نهضت (الرأي العام) في التسعينيات بنجاح كبير من رقدة العدم، إلا أن (السودان الجديد) لم تزل صامتة منذ اثنين وأربعين عاماً. وكسبت صحيفة (السودان الجديد) في الأربعينيات معركة حرية الرأي والتعبير ضد وزير الداخلية الاستعماري (روبرتسون)، وخسرتها عام 1970م أمام قرارات الحزب الشيوعي السوداني وديكتاتورية الرئيس جعفر نميريّ. وهكذا صمتت صحيفة فارس الوطنية والحقيقة وبطل الكلمة الصادقة. ورحل أحمد يوسف هاشم في أوجّ سنين العطاء، في الرابعة والخمسين من العمر. ولم يمتدّ به الأجل ليشهد بعينيه مصرع الصحافة الوطنية المستقلة، وذبحها على يد ديكتاتورية الحزب الشيوعي السوداني.

الإنتباهة

أرسل لي مستجدات هذا المدخل