/'العجائبية/' .. ثيمة غائبة في قصص الاطفال

المراسل |
الإثنين، 22 أكتوبر 2012 12:13 مساءً

/"العجائبية/" هي تعريب للمصطلح الانكليزي /"فنتازيا/" او /"الفانتاستك/"، والفنتازيا كما جاء تعريفها في الموسوعة الانكليزية، هي الخيال غير ممكن الوقوع، فهي وان كانت خيالا فإنها تمتاز بأنها غير ممكنة التحقق.

والعجائبية، هي المصطلح الذي استقر عليه رأي كل من حاول تعريف او تقريب المصطلح الانكليزي الى العربية، وبات يمثل اعتمادا اكاديميا ونقديا للمهتمين في هذا المجال.

الباحث تودورف وضع في كتابه /"الفانتاستك في الادب/" منهجا متكاملا للكتابة الفنتازية في الادب عندما حلل عددا من الروايات الفنتازية، ورغم ان الكتاب ترجم الى العربية، الا ان مصطلح /"الفنتازيا/" او /"الفنتاستك/" بقي على حاله ولم يتعرض له احد بالتعريب.

واذا كانت العجائبية، كما عرفتها في رسالتي للماجستير التي تقدمت بها عام 2003 وكانت بعنوان /"العجائبية في قصص الاطفال في العراق/"، هي المرادف الموضوعي والنقدي لمصطلح /"الفنتازيا/" فانها رغم ذلك بقيت ثيمة غائبة عن الكثير من القصص التي كتبت للاطفال، في حين بقي الاستعانة بها ، كثيمة، امر معتاد سواء في الكتابة للكبار، او في الافلام التي انتجتها هوليوود خلال السنوات العشر المنصرمة.

تجاهل الكثير من كتاب قصة الطفل في عالمنا العربي تلك الثيمة، وان اعتمد العديد منهم على مفهوم الخيال بشكل عام، دون عناء البحث عن عجائبية هذا الخيال، مما اصاب الكثير من قصص الاطفال في عالمنا العربي، بثيمة التكرار، التي تظل ملازمة للعديد من هذه القصص، دون عناء في البحث عن خيال ابعد منذ اك الذي تناقلته الاجيال.

ان التجاهل غير المبرر لثيمة العجائبية في قصص الاطفال، غالبا ما يكون نابعا من قصور ادراكي لدى كتبة قصص الاطفال، فهم لا يميزون بين الخيال الممكن وذاك غير الممكن.

وربما اصاب بعض الكتاب هاجس عدم الفهم الذي قد يرافق الكتابة العجائبية للاطفال، معتبرين ان الطفل لا يزال كائنا بشريا محدود الخيال، وهي الحقيقة التي فندتها العديد من الدراسات النفسية التي تناولت الاطفال، والتي اكدت مرارا وتكرارا على ان الطفل اكثر حيوية في خياله من الكبير.

وهذا امر يمكن ان ندلل عليه بالكثير من الادلة، ليس ابسطها، ان الاطفال بإمكانهم تخيل اشياء لا يمكن للكبار ان يتخيلوها، وهو امر ناجم عن قلة ادراك الاطفال للمعقولات، على عكس الكبار، وبالتالي وجود فسحة واسعة في مخيلتهم لتصور اشياء لا يمكن للكبار ان يتخيلوها، لانها ببساطة تصطدم بواقعيتهم المتأتية من نضج العقل والتفكير.

من هنا كان التركيز فيما نقل الينا من قصص شعبية، تحول الكثير منها الى قصص للاطفال، على ثيمة العجائبية، والخيال الواسع، وهو امر ظل محببا الى نفس الطفل، وهذا ما يفسر لنا، سر تعلق العديد من الاطفال بقصص شعبية حكيت ونقلت لنا من ثقافات عديدة، تفصلنا عنهم عقود وربما قرون.

فعلى الرغم من ثورة التكنولوجيا، ورغم انغماس اغلب اطفالنا في عالم التقنية الحديثة، الا ان جلهم، لا يزال يستمع بشغف لحكايات اليس في بلاد العجائب وحكايات السندباد البحري والعديد من المأثور الحكائي في الف ليلة وليلة.

كل هذه الاسباب تدعو للتوجه من جديد لكتاب الاطفال، الى ضرورة الاستعانة بثيمة العجائبية من جديد، وفتح اغلال العقول الصغيرة، وتحفيزها للانطلاق والانعتاق من محابس الواقعية التي قد تصيب اطفالنا جراء ادمان وسائل الترفيه الحديثة، او الانكباب لقراءة قصص اقل ما يقال عنها انها تبسيط لغوي لمفردات الكبار.

ولعل واحدة من ابرز ما يمكن ان تفرزه ثيمة العجائبية في حال الاستعانة بها بالكتابة للاطفال، انها تساعد كثيرا في تنمية مهارات الخيال لدى الاطفال.

وعندما نتحدث عن الخيال، فإننا نتحدث هنا عن عالم اوسع بكثير مما يمكن ان تستوعبه الكلمات، فهو الذي كان الاساس للعديد من الاختراعات التي باتت اليوم واقعا في عالمنا، كما انها توفر فسحة لتحفيز الاطفال فكريا، بالاضافة الى انها تمثل بوابة واسعة للولوج الى عوالم اكثر قربا من عالم الطفل الفكري والنفسي والعقلي.

ان واحدة من اكبر ما نعانيه اليوم في عالم الاطفال، انهم فقدوا شهيتهم على القراءة، وصار لزاما على من يتصدى للكتابة لهم، ان يضع نصب عينيه كيفية وضع الاسس القادرة على ان تجبر الطفل للتخلي عن العاب الكمبيوتر والجلوس لساعة او اكثر للقراءة.

صحيح ان المرئي يبقى له قصب من السبق في الجذب، سواء للكبير او للصغير، ولكن ايضا الاستسلام لذلك، يعني اننا سنربي جيلا غير قاريء وايضا يجد نفسه في بون شاسع بينه وبين لغته الام.

ليس مستحيلا ان نجبر الاطفال على قراءة قصة مكتوبة لهم، اذا عرفنا كيف نخاطبهم، واذا تمعنا اكثر في النصوص التي تكتب لهم، واذا خاطبنا فيهم غرائز الطفولة، ولعل واحدة منا برز تلك الغرائز، هي غريزة العجائبية، التي يفتن بها الاطفال وان تعددت هواياتهم او اختلفت ثقافاتهم.

في العجائبية، سيجد الكاتب انه محرر من كل قيد، وسيكون بامكانه ان يسترسل بخياله ليصل الى مديات بعيدة جدا، مديات سيجد فيه الطفل القاريء عوالم جديدة، قد تقنعه وتشده للاستماع او للقراءة.

وهنا لا بد من التاكيد مرة اخرى على ان الكتابة للاطفال لا ينبغي ان تكون نزهة لمن يتصدر هذا الفن، بل يجب ان تكون موهبة مغموسة بدراسة وتعمق، ومعرفة جيدة بخلفية الشريحة التي يكتب لها والتي تستهدف من وراء هذه القصص.

المصدر : ميدل إيست

أرسل لي مستجدات هذا المدخل