السياسة الأمريكية نحو السودان

الثلاثاء، 04 سبتمبر 2012 2:23 مساءً

المركز السوداني للخدمات الصحفية  SMC

إن الأحداث التي تمر بالبلاد تكشف يوماً بعد يوم بأن هناك أيادٍ خفية تسعى لتأجيج الصراع في السودان، والكل يعلم أن أجهزة المخابرات الاستعمارية وعلى وجه الخصوص الأمريكية والأسرائلية قامت بعمليات قذرة كثيرة في دول العالم الثالث وأمريكا اللاتينية وأطاحت بحكومات وصنعت اضطرابات وقامت باغتيالات وأشعلت مظاهرات وخططت لإنقلابات وزعزعة الامن والاستقرار في كثير من الدول، وعملياتها تكون في منتهى السرية لكن أصابع الاتهام تلاحقها حتى ولو تم  تدوين البلاغ ضد مجهول طالما أن هناك الغاية تبرر الوسيلة وطبعاً في موضوع السودان الغاية هي الإسلام والوسيلة هي الحرب الأهلية.
وبعد تولي الرئيس الأمريكي الجديد باراك اوباما  لمنصة الحكم  ظن كثيرون ان السياسة الأمريكية تجاه السودان ستتغير وتتحسن ولكن لم يختلف اوباما كثيراً عن الرؤساء الذين سبقوه  فكان وراء اكثر من 20 قراراً ضد السودان اقترحها في الكونجرس وصوت عليها كما أن نائبه بايدن  من اصل يهودي قاد حملات عديدة ضد السودان اضافة الى أن الطاقم الإستشاري في إدارة أوباما يضم عدداً من الوجوه المعروفة بعدائها للحكومة السودانية مثل سوزان رايس مندوبة أمريكا لدى الأمم المتحدة التي قادت العديد من الحملات اثناء حكم كلينتون  لذلك لايتوقع حدوث تغيير في السياسة الامريكية تجاه السودان.

بداية إهتمام أمريكا بالسودان

كان الإهتمام الأمريكي بالسودان في العهود السابقة للإنقاذ يأتي في إطار ما عرف بالمعونة الأمريكية بغية ربط البلاد بها،ففي الفترة المايوية بدأ الإهتمام بالنفط السوداني بعامل الصدفة حسب إفادات بعض التقارير الأمريكية . أما في فترة الإنقاذ برزت عوامل متعددة جعلت إهتمامات الولايات المتحدة الأمريكية بالسودان تزداد وتتمثل تلك العوامل في :
العامل الإسلامي: وذلك ببروز نظام يحمل توجهات إسلامية ويأمل في تصديره إلى مناطق أخرى من العالم إذ يعتبر الإسلام هو الخطر القادم للثقافة اليهودية والغربية المسيطرة بعد إنهيار العدو والمهدد السابق للحضارة الغربية المتمثل في الفكر الإشتراكي حيث إنتهجت أمريكا والقوى الغربية سياسة الإنهاك طويلة المدى لإجهاض التجربة الإسلامية بإعتبارها تمثل أشواق الأمة الإسلامية خوفاً من تداعياتها الروحية .
العامل الإستراتيجي و الأمني: نسبة ان ساحل السودان الشرقي يجاور أكبر مخزون نفطي في العالم ، ومن ثم ترى الولايات المتحدة بأهمية عدم وجود نظام عدائي للحضارة الغربية في تلك المنطقة الحساسة ، ولذلك كان العمل بنظرية شد الأطراف عبر خلق أزمات وجبهات صراع في العديد من المناطق لإنهاك النظام .
عامل الموارد: الولايات المتحدة تعلم جيداً الموارد التي يذخر بها السودان من نفط ويورانيوم ومياه وموارد أخرى مهمة لا يمكن تركها لقوى أخرى ناهضة لتتمكن من استغلالها .
المنطقة: وتقوم الولايات المتحدة بدعم الخطة الإسرائيلية الرامية إلى تجزئة العالم الإسلامي إلى إمارات أو دويلات صغيرة، ويأتي السودان في هذا الإطار حيث يقوم الجانب الإسرائيلي بتغزية النزاع في دارفور بصورة مستمرة بالمال والسلاح فضلاً عن إستثمار النزاع سياسياً على المستوى العالمي .
موضوع الإرهاب: وترى الولايات المتحدة أن السودان يستطيع السيطرة على الجماعات الإرهابية بل أصبح يأوي الإرهاب، وقد جاء إتهام السودان أكثر من مرة من قبل الجانب الأمريكي بأنه يرعى الإرهاب وذلك للضغط على الحكومة والحصول على بعض التنازلات هنا وهناك .
ومنذ وقت مبكر تعاملت الولايات المتحدة وكثير من الدول المعادية، مع السودان وحكومته كدولة مارقة ، وناصبته العداء، وحاكت له الكثير من المؤامرات. ذلك أن آخر ما يمكن أن تتقبله واشنطن دولة لا تخضع لنفوذها، ولا تسلّم بهيمنتها، وتسعى لامتلاك قوة سياسية واقتصادية وعسكرية مؤثرة ، فكيف إذا كانت تحمل فوق ذلك مشروع نهوض يستند إلى مرجعية إسلامية كما هو الحال في السودان.

سياسة امريكا تجاه السودان
والمتابع لسياسة الولايات المتحدة تجاه السودان خلال السنوات الماضية ، يجد أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة اعتمدت سياسة إشغال واستنزاف وابتزاز لم تتوقف. فما أن تهدأ جبهة مواجهة حتى يفتحوا له أخرى، كي ينصرف عن الاهتمام بالتنمية والتطور وامتلاك أسباب القوة.
غير أن تلك الاستراتيجية الغربية فشلت في تحقيق أهدافها ولم تؤت أكلها، واستطاع السودان تجاوز المؤامرة. فعلى صعيد التنمية خطا السودان خطوات واسعة ومتقدمة، واستطاع المواءمة بين مواجهة الأزمات الداخلية وبين توجيه جزء مهم من جهده واهتمامه لعملية التنمية وتطوير البنى التحتية. وخلال الفترة الأخيرة تدفقت الاستثمارات العربية والأجنبية على السودان بصورة كبيرة، ولا سيما في المجال الزراعي والنفطي.
كما نجح السودان على صعيد المصالح الداخلية، وشكل إقرار البرلمان لقانون الانتخابات تطورات مهمة في مسار العملية السياسية. ومن ثم أدركت الإدارة الأمريكية أن السودان شبّ عن الطوق وخرج من عنق الزجاجة واستطاع تجاوز استراتيجية الإشغال والاستنزاف والإضعاف ، وبات على أبواب مرحلة جديدة تؤهله لمواقع متقدمة ومؤثرة في المنطقة العربية وفي القارة الإفريقية ، يساعده في ذلك تفجر أزمة غذاء عالمية تتيح له فرص استثمارها بصورة قوية  حيث لا تنقصه الأرض ولا المياه ولا القوانين المشجعة على الاستثمار. مضافاً إلى ذلك تنامي القلق الأمريكي من مستقبل واعد لسودان قوي ومزدهر ومؤثر ينطلق بسرعة صاروخية، من المرجح أن يكون قد دفع الإدارة الأمريكية لاعتماد استراتيجية جديدة هي الإسقاط والانقلاب والعزل لنظام الإنقاذ ذي النزعة الاستقلالية. وقد يتم الإتجاه مرةً أخرى إلى التضييق على السودان عبر دول الجوار كما حدث في عهد كلينتون.

السياسة العدائية لأمريكا على السودان تنفيذ للاستراتيجة الاسرائيلية
بررت الولايات المتحدة سياساتها العدائية تجاه السودان مرة وقالت انها مدفوعة بعدة مآخذ على نظام الانقاذ تتمثل في تحقيق الديمقراطية وحقوق الانسان والحرب في الجنوب وقضية الاغاثة الانسانية ومصادقة السودان للنظم السياسية المعادية للولايات المتحدة وموقف السودان من حرب الخليج عام1991م حيث صنفت السودان من الدول الضد كما ان هناك تخوفات من الادارة الامريكية من العلاقات الوثيقة مع النظام السياسي الايراني باعتبارها تضر بالمصالح الامريكية واتهامها بمحاولات تصدير الثورة الايرانية لدول الجوار وازاء ذلك قامت امريكا باستخدام القوة ضد السودان وتمثل ذلك في ضرب مصنع الشفاء للادوية.
وهناك تعاوناً غير معلن بين الولايات المتحدة واسرائيل فيما يتعلق بالدول التي تعتقد اسرائيل انها تشكل تهديدا لامنها ويوجد لوبي صهيوني قوي يعمل على متابعة تنفيذ الولايات المتحدة للمصالح الاستراتيجية لاسرائيل كما ركزت الحكومة الامريكية على دعم حركة التمرد في جنوب السودان التي تأكد فيما بعد دعم اسرائيل لها حسب ما ورد على لسان العميد موسي فرجي ان اسرائيل لم تقلل من دعمها للحركات في مختلف المراحل في السبعينيات او مراحل تالية في تمكين حركة التمرد بزعامة جون قرنق من السيطرة على العديد من المدن في جنوب السودان وقد عملت الحكومة الاسرائيلية على دعم حركات التمرد بالتنسيق مع الولايات المتحدة وعبر دول الجوار وكذلك سعت لتوحيد المعارضة في يوليو1995م تحت اسم التجمع الوطني الديمقراطي في اسمرا وكان الهدف الرئيسي هو اسقاط النظام الحاكم.
وقد استخدمت الولايات المتحدة في تلك الفترة سياسة شد الاطراف وهي سياسة تتبناها اسرائيل في استراتيجيتها تجاه السودان وتهدف بذلك لاضعاف السودان الامر الذي احبط اقامة دولة سودانية متجانسة قوية عسكريا واقتصاديا وقد عملت كل من اسرائيل والولايات المتحدة بضغوط على اللوبي الصهيوني داخلهما على دعم دول الطوق الافريقية للسودان (الجوار الافريقي) وكانت النتيجة ان احتلت مصر مثلث حلايب في مسعي لتشتيت جهود القوات المسلحة السودانية التي تقاتل في الجنوب وفتحت جبهة الشرق بدعم من اريتريا واثيوبيا في يوليو 1995م وكان الدعم يصل الي الجنوب عبر اريتريا وافريقيا في الفترة التي سبقت عام 1995م بعدها اتبعت الولايات المتحدة واسرائيل سياسة شد الاطراف ثم بترها وتجلي ذلك في الاتجاه نحو فصل الجنوب وتبني حركات التمرد في دارفور.

سياسة الجزرة والعصا
يؤكد مراقبون أن سياسة العصا والجزرة الممنهجة من قبل الولايات المتحدة تجاه السودان أدت إلى إتخاذ الحكومة السودانية بعض المواقف لكسب ود الجانب الأمريكي ( نيفاشا ، أبوجا ) خاصة أن الجانب الأمريكي كان قد أبدى إلتزاماً لدعم تلك الإتفاقات إلاّ أنه وبمجرد الوصول إلى الغرض المطلوب يتم إنتاج أزمات ومطالب أخرى ، ومن ثم أصبحت الوعود الأمريكية ومطالبها تسير في إتجاه لانهاية لها ، وقد اوصي المراقبون بضرورة دراسة كل المبادرات المقدمة من الجانب الأمريكي بدقة وعمق من قبل الجهات المسؤولة قبل الشروع في إتخاذ موقف معين .

علاقة أمريكا بالسودان تتحكم فيها إسرائيل
إن علاقة السودان بالولايات المتحدة تؤثر عليها عدة عوامل اهمها موقف اسرائيل من السودان وقضاياه خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية ومدى نشاط اللوبي الصهيوني ضد اجندة السودان وهذا يتطلب من السودان العمل الجاد لوضع استراتيجية محددة للتعامل مع الولايات المتحدة وادارة ملفاته وفق منظومة المصالح العليا للدولة .
وقد لعب اللوبي الصهيوني دوراً كبيراً في تحديد علاقة الولايات المتحدة بالسودان مباشرة خلال العقدين الماضيين بالرغم من ان لهم نشاطاً سابقاً وكذلك المواقف العروبية وعدم الانحياز في فترات القضية الثنائية وعلاقة النظام بالشيوعية قبل سقوط الاتحاد السوفيتي وعلاقة النظام بالاسلام في مرحلتين الاولى التي كان فيها تطبيق الشريعة الاسلامية في سبتمبر1983م ثم 1990م في فترة حكومة الانقاذ.
بجانب ان قضية دارفور ستستثمر من قبل القوى الغربية المعادية بقيادة الولايات المتحدة لفرض عزلة دولية على السودان ، لذلك لابد من السعي الحثيث لتفويت هذه الفرصة وذلك من خلال توحيد الجبهة الداخلية وإجراء حوار داخلي لتجاوز الأزمات الداخلية.
لأن المواقف الأمريكية تجاه الحكومة السودانية ليست كلها نابعة من إرادة الحكومة بل أن هناك تأثير كبير لجماعات الضغط الدينية والسياسية خاصة اليهودية منها وغيرها حيث تدفع هذه الجماعات بإتجاه إستصدار قرار معين من قبل الحكومة ولا تجد الحكومة طريقاً غير الإذعان لتلك الرغبات أملاً في الحصول على مكاسب يجنيها الحزب الحاكم في الإنتخابات القادمة ، ولذلك فإن القرارات والمواقف الأمريكية أيضاً متأثرة بعوامل أخرى يجب وضعها في الإعتبار عند تحليل تلك المواقف المعادية للبلاد.
ومما سبق يتضح مدي عمق المخطط  الامريكي و الأسرائيلى الذي يهدف الي استهدافالاسلام والمسلمين وتحقيق التمدد الصهيوني على طول المنطقة العربية والافريقية وأستنزاف مواردها الطبيعية لخدمة مصالحها الشخصية.

 

أرسل لي مستجدات هذا المدخل